أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالاتي / تغريبتنا في طريق الموت

تغريبتنا في طريق الموت

كاتب المقال : أحمد القصير – نافذة لبنان 27-11-2015

تعيدني بين الحين والأخر ذاكرتي إلى ما قبل عامين تقريبا إلى ذلك الطريق المحفوف بالمخاطر الذي أطلق عليه أهل القصير طريق الموت.

حين قرر الانسحاب من المدينة وخرجنا بذلك الطريق مدنين وعسكريين وطبيين واعلامين وكل من كان باقي في المدينة ذاك الطريق الذي رافقنا فيه القصف الشديد وصواريخ الارض ارض والطيران والكمائن خلال سيرنا على الطريق قطعنا مسافة قصيرة لقرية تتبع للمنطقة ومن ثم حملنا أنفسنا وانطلقنا ليلا سيرا على الأقدام نتحسس طريقنا عبر ضوء القمر والقذائف المضيئة التي كانت تطلق لتكشف موقعنا ليتم قصفنا.

خرجنا نحمل معاناتنا تاركين ورائنا ذكريات الطفولة والشباب ذكريات سنين جميلة وسنين أليمة نحمل ما استطعنا حمله من أوراق وذكريات وكان معنا ما يقارب الألف جريح نتبادل على مساندتهم في مسيرتنا و تغريبتنا التي خطت بدماء وخوف ورعب نستند على بعضنا البعض نختبئ خلف بعضنا من الشظايا والرصاص الذي كان ينهمر علينا على مر يومين لم نستطيع أن نجد ما نأكله ولا ما نشربه سوا قطرات من الماء الممزوجة في سماد المحاصيل الزراعية في الأراضي التي نحن فيها كنا نحصل عليه من بقايا الماء الموجودة في أنابيب الري الممدودة في الأراضي الزراعية لكن لست الذي يشرب أولا فهناك كم كبير من الجرحى هم أحق منك في شرب الماء لتقويهم على متابعة المسير معك أما بالنسبة للطعام بدأنا بالبحث عن ما تبقى في الأراضي الزراعية من شيء يسد رمق جريح أو أمراءه أو طفل طبعا هذا كله كنا نمشي ليلا للتخفي و نقف نهارا بقيت مسيرتنا ثلاثة أيام كنت أراقب الجرحى و الأطفال والجميع كيف قد الخوف والجوع والألم من أجسادهم كيف الألم بدأ يرتسم على وجوهم وهم ينظرون خلفهم لتلك المدينة التي لازالوا يتفاخرون في لقبها ” أسطورة الثورة ” أراقب ذاك يدفن جريحا فقد حياته بين أيدينا ولم نستطع أن نقدم له شيء لأنه لم يحتمل الطريق و معاناته وأخر فقد ما تبقى في حياته نتيجة القصف الذي لم يهدئ طوال طريقنا كل ذلك الألم وأكثر رافقنا ولا زال أشاهد كنت الأب كيف يحاول أن يبقي على طفله على قيد الحياة رغم صعوبة طريقنا والابن كيف يند أباه الكهل الذي لم يعد يستطيع تكملة طريقنا و المرأة التي تحاول أن تظهر لأخيها ولزوجها أنها قوية بما فيه الكفاية لتكمل رغم تعبها كل ذلك الألم الذي نشعر به كان يتحطم عند صرخة ألم من جريح أو من طفل لنقوي أنفسنا أمامهم لكي نستطيع إيصالهم لبر الأمان الذي رسموه لنا على أنه جنة من جنان الخلد عانينا كثيرا حتى وصلنا لما يطلق عليها ” مدينة الأحلام ” وفعلا كان الوصول أليها حلم كل من مشى في تلك التغريبة المريرة بعد وصولنا إلى هناك بدأنا نتفقد بعضنا من مات ومن فقد ومن تاه الطريق ليقع بأيدي من لا يرحم ولا يعرف إنسانية بدأنا البحث عن الماء و كل شيء باعتقادنا أن تغريبتنا تنتهي هنا لكن تابعت تلك التغريبة بتنقلنا من قرية لقرية ومن مدينة لأخرى لنصل إلى نقطة النهاية في رحلتنا يومها لكن لم يحجز لنا في باصات فاخرة إنما ركبنا كالغنم فوق بعضنا في سيارات شحن وانطلقت فينا في عتم الليل ننتقل بها.

هناك منها من تاه الطريق ودخل قطع عسكرية وكانت نهايته فيها وهناك من وصل إلى بر الأمان المنشود يومها.

لنتفا جاء بما رأينا لم نرى لا دمار ولا أي شيء وبدء الأهالي بتفريقنا على البيوت وعلى الأماكن لكي لا تتعرض المدينة للقصف بانتقالنا لمكان أخر هنا بدأ تفريقنا الذي لا أتمنى أن يكون إلى الأبد حيث كل شخص بدأ يبحث عن أقاربه في المدن المحيطة وينتقل إليهم ليبدأ حياته من جديد ضمن أكثر من معاناة منها حزن على من فقد و منها على لم يوجد ومنها على ترك مدينتنا التي لا نستطيع العودة إليها حتى بعد انتهاء ما يجري في سوريا لأنها دمرت بالكامل ومنها على التفرقة التي بدت العائلة الواحدة في أكثر من مكان.

لا ادري إن كانت الأيام ستجمع شملنا في مدينتنا تلك و لكن هل إن جمعتنا مرة أخرى هل سننسى حزننا الذي مررنا به و ألمنا على من فقدنا لا ادري ذلك ومثلي الكثير من أهل مدينتي و تغريبتي.

شاهد أيضاً

لو بيننا أبا عمار …

نشر في موقع نافذة العرب في قسم مقالات رأي بتاريخ 2016-10-09  إنّ إعلان مجلس الدوما الروسي التفويض للقوات …

Powered by moviekillers.com